اسماعيل بن محمد القونوي

479

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 ] إخراج الرجل غيره لكن جعل إخراج غيره إخراج نفسه لنكتة ذكرت في جعل قتل الرجل غيره قتلا نفسه وأما إن أريد به حقيقته كما إذا ارتحل رجل عن دياره باختياره فهو مخرج لنفسه عنها كما جنح إليه بعض وجعل عدم تعرض المص لبيان ذلك لأنه جعل قوله تعالى : وَلا تُخْرِجُونَ [ البقرة : 84 ] محمولا على حقيقته فلا تنبيه فيه على المسلكين لكن هذا الاحتمال ضعيف جدا بل اكتفى ببيان التجوز في أحدهما عن بيانه في الآخر كما هو دأبه وقوله تعالى . قوله : ( إما حال ) من الخبر لأنه مؤول بأنكم تشاؤون حال كونكم تقتلون أبهموا أولا باسم الإشارة ثم فصل ما أبهم بقوله تقتلون للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقض العهد وفسخ الإقرار وإبطال الشهادة والإفراط في ذلك بالتظاهر بالإثم والعدوان ( والعامل فيها معنى الإشارة ) ويسمى عاملا معنويا لكونه في معنى الفعل وبه يكون ذو الحال نائب الفاعل كما أشرنا إليه نقل عن أبي حيان أنه قال والمقصود من حيث المعنى الإخبار بالحال . قوله : ( أو بيان لهذه الجملة ) فكأنه لما قيل ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ [ البقرة : 85 ] قيل ما شأننا فأجيب تقتلون الخ فحينئذ الجملة لا محل لها من الإعراب قدمت الحالية إذ تقدير السؤال خلاف المتبادر ولو قيل إن كونها حالا لا تخلو عن نظر إذ ليس الإشارة إليهم حال كونهم قاتلين ومخرجين قلنا القاتلية والمخرجية صفتان قائمتان بذواتهم لكون المراد القتل والإخراج في الماضي وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو للاستمرار كما عرفت . قوله : ( وقيل هؤلاء تأكيد ) لأنتم والمراد به مطلق التقوى بالمعنى اللغوي فلا يضره كون أحدهما مخاطبا والآخر غائبا ومرضه لأن المتبادر التأكيد اللفظي أو المعنوي وهذا ليس منهما والمعنى اللغوي غير ظاهر الاستعمال ( والخبر ) أي خبر أنتم ( هو الجملة ) واختيرت الجملة ليتقوى الحكم . قوله : ( وقيل بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر ) فهو مذهب البصريين قوله : والعامل معنى الإشارة أقول لا يصح جعل معنى الإشارة عاملا في الحال ههنا لأن مضمون الحال غير مقارن للعامل فإن القتل والإخراج إنما وقعا في الزمان الماضي والإشارة إنما هي وقت الإخبار بذلك ولا يجوز حمله على الحال المقدرة لأن مضمون الحال المقدرة يكون فيما يستقبل من الزمان نحو جاء رجل معه صقر صائدا به غدا إلا أن يكون تقدير الحال هنا هكذا ثم أنتم هؤلاء الذين أشير إليهم مستحضرا قتلهم وإخراجهم فإن استحضار القتل والإخراج مقارن للإشارة في الزمان مجتمع معه فيه يرشدك إليه مجيء الفعلين على صيغة المضارع تصويرا واستحضارا للصورة الماضية العجيبة الشأن كأنهما واقعان الآن . قوله : وقيل هؤلاء تأكيد فيكون الأصل ثم أنتم تقتلون أنفسكم لكن عدل عنه إلى لفظ هؤلاء للنكتة التي ذكرت . قوله : وقيل بمعنى الذين هذا مذهب الكوفيين فإن مذهبهم أنه يجوز استعمال الإشارة في معنى الموصول حتى قالوا قوله تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [ طه : 17 ] معناه ما التي بيمينك .